محمد بن جرير الطبري
144
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بأموالهم وأنفسهم الْخَيْراتُ ، وهي خيرات الآخرة ، وذلك نساؤها وجناتها ونعيمها ، واحدتها : خيرة ، كما قال الشاعر : ولقد طعنت مجامع الربلات * ربلات هند خيرة الملكات والخيرة من كل شيء : الفاضلة . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقول : وأولئك هم المخلدون في الجنات الباقون فيها الفائزون بها . القول في تأويل قوله تعالى : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ يقول تعالى ذكره : أعد الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وللذين آمنوا معه جنات ، وهي البساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار . خالِدِينَ فِيها يقول : لابثين فيها ، لا يموتون فيها ، ولا يظعنون عنها . ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يقول : ذلك النجاء العظيم والحظ الجزيل . القول في تأويل قوله تعالى : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : وَجاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التخلف . وَقَعَدَ عن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وقالوا الكذب ، واعتذروا بالباطل منهم . يقول تعالى ذكره : سيصيب الذين جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منهم عذاب أليم . فإن قال قائل : فكيف قيل : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ وقد علمت أن المعذر في كلام العرب إنما هو الذي يعذر في الأمر ، فلا يبالغ فيه ولا يحكمه ، وليست هذه صفة هؤلاء ، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوهم ، وحرصوا على ذلك ، فلم يجدوا إليه سبيل ، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد أعذروا أولى وأحق منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا . وإذا وصفوا بذلك فالصواب في ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس ، وذلك ما : حدثنا المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي حماد ، قال : ثنا بشر بن عمار ، عن أبي روق عن الضحاك ، قال : كان ابن عباس يقرأ : " وجاء المعذرون " مخففة ، ويقول : هم أهل العذر . مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه ؟ قيل : إن معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه ، وإن معناه : وجاء المعتذرون من الأعراب ؛ ولكن التاء لما جاورت الذال أدغمت فيها ، فصيرتا ذالا مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى ، كما قيل : يذكرون في يتذكرون ، ويذكر في يتذكر . وخرجت العين من المعذرين إلى الفتح ، لأن حركة التاء من المعتذرين وهي الفتحة نقلت إليها فحركت بما كانت به محركة ، والعرب قد توجه في معنى الاعتذار إلى الإعذار ، فتقول : قد اعتذر فلان في كذا ، يعني : أعذر ، ومن ذلك قول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فقال : فقد اعتذر ، بمعنى : فقد أعذر . على أن أهل التأويل ، قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم معذرين ، فقال بعضهم : كانوا كاذبين في اعتذارهم ، فلم يعذرهم الله . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، عن الحسين ، قال : كان قتادة يقرأ : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال : اعتذروا بالكذب . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا يحيى بن زكريا ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا ، فلم يعذرهم الله . فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق . فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار إلا أن يوصفوا بأنهم أعذروا في الاعتذار بالباطل . فأما بالحق على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء ، فغير جائز أن يوصفوا به . وقد كان بعضهم يقول : إنما جاءوا معذرين غير جادين ، يعرضون ما لا يريدون فعله . فمن وجهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك ، غير أني لا أعلم أحدا من أهل العلم بتأويل القرآن وجه تأويله إلى ذلك ، فأستحب القول به . وبعد ، فإن الذي عليه من القراءة قراء الأمصار التشديد في الذال ، أعني من